السبت، 18 أغسطس 2012

أزمة المُلحد

كلما سمعت ملحداً أو تناقشت معه أجد نفس الفكرة تتردد فى رأسى . الملحد هو شخص يعيش أزمة فكرية حقيقية . وأعتقد أن السبب فى ذلك أنه لم يستطع أن يكون ملحداً بنسبة 100% ، فهو وإن كان استطاع إن يتخلص من معتقده إلا أنه عجز عن أن يجيب عن كل التساؤلات التى تقابله فى الحياة .. فهو ينكر أشياء يجد الواقع يثبتها أو يشير إليها. وما يزيد من أزمته أن قواعد العقل - التى إتخذها هو نفسه دليلاً ومرجعاً للحكم على أى قضية - أصبحت تعانده وتواجهه و تدفعه إلى التسليم بما كفر به أول الأمر. ويمكننا هنا أن نلخص مظاهر أزمة الملحد فى النقاط الرئيسية التالية :
أولا : الملحد يناقض المنطق وقواعد التفكير السليم.
: فهو لا يقول " يوجد إله وأنا كافرٌ به ".. وإنما يدعى عدم وجود إله من الأساس . وحينما تسأله من فى رأيه هو مُنشئ هذا الكون المنظم تنظيماً بديعاً.. ينسب ذلك إلى الصدفة والتطور العشوائى للموجودات . ولو حاولت أنت أن تقنعه بأنه من الممكن وجود  حجرة صغيرة مرتبة ومنظمة لم يقم بترتيبها أو تنظيمها أحد ، وإنما حدث ذلك بالصدفة ( اتباعاً لنظريته ) لوجدته يستنكر ذلك بشدة . فهو يقبل الأمر الأصعب والأعقد ( نشأة الكون فى نظام ) ويرفض الأمر الصغير البسيط ( ترتيب الحجرة ) ، وهو عوارٌ واضح فى تفكيره .
- ثانيا : يبدو من سلوك الملحد عندنا أنه ليس واثقا من موقفه ..
فهو يتحدث طوال الوقت عن عدم وجود إله ، وبالتالى عن عدم جدوى الأديان ، وعن تزييف الرسل و كذبهم . والعقل يقول عندما تعتقد أنت ذلك فالمفروض ألا تعطى أى إهتمامٍ لتلك الأديان وخرافاتها ، لكنه على النقيض.. يقضى معظم وقته فى سب هذه الأديان ومحاولة إثبات كذبها ، و السخرية منها أو الخوف منها أحياناً ، وكأنه بأفعاله يناقض أقواله .. فما هو غير حقيقى وغير موجود لا ينبغى أن أهتم به إلا إذا كنت أريد أن أعيش فى الأوهام.
- ثالثا : الملحد يتبنى موقفاً ويعجز عن تغييره حتى ولو من أجل مصلحته الشخصية ..
فهو يقرر عدم وجود إله ويقرر ألا يتعبد لأى إله وهمى . بينما معظم الأديان فى العالم تتحدث عن عذاب ينتظر الكافرين. فما الضرر من عبادة إله وهمى ( من المحتمل أن يكون حقيقياً ) كى تأمن غضبه فى الآخرة . وفى ذلك أذكر ما قاله الفيلسوف البرجماتى " وليم جيمس " عندما سُأل : هل تؤمن بوجود إله ؟ فكان رده " أرى من مصلحتى أن أؤمن بوجوده ..فإن كان غير موجود لم أخسر شيئاً فى الآخرة.. لكن لو كفرت به و هو موجود فسيعاقبنى على كفرى يوم القيامة ". فحتى الفكرالنفعى يقود للإيمان وليس الإلحاد .
- رابعاً : الملحد يعتبر أنه يُعمل عقله بينما هو فى واقع الأمر أول من يدهس العقل تحت حذائه.
فهو يشبه الدُجماطيقيين فى تمسكه بفكرة حتى ولو ثبت عوارها .. ويصرّ على السير فى طريق يعلم أنه خاطئ من الناحية العقلية .. فالإنسان منذ الأزل عرف أنه غير قادر على أن يخلق نفسه .. وأن هذه القدرة ( الخلق) لا يملكها .. وأنه كإنسان يشعر بالنقص بسبب ذلك ، وهذا يعنى أن عقله يمتلك صورة للكمال يقارن بها نفسه فتُظهر له نقصه.. وصورة الكمال هذه إنما هى للموجود الأعلى .. الذى يُنكره هو أصلاً. 
- خامساً : يحاول الملحد - دعما لموقفه - أن يربط بين الفردية ونعمة استخدام العقل ، وفكرة التحليق خارج السرب ؛ وبين الإلحاد واللادينية .. والحقيقة أنه لا رابط بينهم .. فمن الممكن أن يبقى الإنسان مسيحيا أو يهودياً أو مسلماً ويفكر بفردية و استقلالية .. والأمثلة على من فعلوا ذلك أكثر من ان تحصى سواءً من بقى منهم على موقف واحد طوال حياته ، أو من غير موقفه منهم من فكر إلى آخر خلال مسيرته الفكرية . 
الخلاصة.. الملحد يدعى العقلانية ولا يحترم أبسط قواعد العقل ، ويدعى السلام الداخلى وهو أكثر الناس أضطرابا وقلقاً ، يتخيل نفسه مدافعاً عن الحريات وهو يسعى حثيثا ( وبنفس طريقة المتدين ) إلى حمل الناس على إعتناق أفكاره أو يحتقرهم ويعتبرهم غنماً فى قطيع الدين . الملحد يعيش أزمة فكرية حقيقية .. والمشكلة أنه مثل المجنون.. لا يشعر ببلواه التى يراها كل الناس..إلا هو.

الجمعة، 13 يناير 2012

السلفية.. وأزمة المنهج




منذ عدة سنوات مضت قرأت حوارا أجرته إحدى المجلات الدينية مع مفتى المملكة العربية السعودية السابق المرحوم الشيخ عبد العزيز بن باز.. وقد استرعى انتباهى حينها إجابته على أحد الأسئلة التى وجهت له.. حيث سأله الصحفى عن مذهبه فقال : مذهبى هما الكتاب والسنة. ولجمال العبارة فقد علقت بذهنى.. غير أننى بعد سنوات أكتشفت مصيبة هذا القول وخطورته. وقد اعتقدت فى أول الأمر أن هذه المصيبة  إنما هى خاصة بالشيخ بن باز وحده.. لكننى ادركت أن هذا الخلل متأصل فى المنهج السلفى كله.وقد أكد لى ذلك عدد ليس بالقليل من المواقف والأفكار والفتاوى التى يطلقها شيوخ التيار السلفى فى كل مناسبة.
وقد كان آخر تلك المناسبات هى دفاع الشيخ محمد عبد المقصود عن نفسه  من تهمة سماع الغناء ، بعد أن انتشر له فيديو بهذا المعنى.وقد لا حظت نفس الخلل يتكرر فى كلام الشيخ عند مقارنة كلامه الأول عن الخلاف فى مسألة جواز الاستماع للغناء وكلامه الثانى عن حرمة ذلك وعقاب من يفعل. حيث ذكر الشيخ - موضحا موقفه - أنه لم يقل أن الغناء حلال وإنما قال من يريد أن يسمع فليسمع ولكن ينتظر عقاب الله فى الآخرة.. واستشهد فى ذلك السياق  بقوله تعالى ( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير) .وحتى نفهم ما هو الخلل الذى اتكلم عنه لابد أولا أن نوضح بعض الأمور.

  • أولا : إن الشريعة التى شرعها الله لنا ليست من الأمور التى تدخل فى باب الإختيار.. فهى لازمة على كل من يسمى نفسه مسلما.. ومن يرفض الشريعة لا يعد مسلما وله مطلق الحرية فى أن يترك الدين الإسلامى تماما.. لكن ليس من حقه أن يبقى مسلما ويغير شرع الله على هواه.
  • ثانيا : الفقه هو فهم علماء الدين للشريعة.. ولا يجوز لمن يجهل العلم الشرعى أن يتكلم فى كتاب الله وسنة رسوله بشىء.. فكونه مسلما لا يكفى كى يجعله مقررا لما يريده الله. لهذا فلا يوجد أحد على وجه الأرض يمكن ان يتعامل مع الشريعة مباشرة إلا العالم المجتهد المطلق ( أى الذى لا يقلد أى عالم آخر ) مثل أبى حنيفة أو الشافعى أو مالك بن أنس أو الليث بن سعد أو أحمد بن حنبل..الخ. أما من هم دون مرتبة الإجتهاد المطلق - حتى لو كانوا علماء - فهم "مقلدون" .. أى يقلدون ما قاله أصحاب المذاهب المجتهدون ، وذلك بالإتباع أو بالاجتهاد على منهج صاحب المذهب . ولهذا فكل مسلم إما مجتهد أو مقلد.. والغالبية من المسلمين ينتمون للفئة الأخيرة.
  • ثالثا : ونظرا لتعدد المذاهب والمجتهدين فيها فقد وضعت قواعد أصولية للفقه وكيفية أخذه ونقله من الشيخ الى تلاميذه، ومن العالم الى العامى من الناس.. ومن بين تلك القواعد قاعدة تقول " لا يُنكر المختلف فيه.. وإنما يُنكر المتفق عليه ". أى أن المسألة التى يقع فيها الخلاف بين العلماء ( مثل مسألة الغناء ) يجوز للمقلد أن يتبع أو يقلد فيها أى من الشيوخ المعتبرين، دون أن يكون عليه وزر لأنه جاهل بهذا العلم الشريف ( حتى ولو كان متعلما تعليما عاليا أو حاصلا على الدكتوراه مثلا فى أى مجال آخر ).. وكل ما عليه فعله هو أن يقلد من يطمئن قلبه لحجته من العلماء المجتهدين .
  • رابعا : مثل تلك القواعد قد جعلت للعلم الشرعى هيبة.. فلا يتجرأ كل من كان على القول فى كتاب الله أو سنة رسول الله عن جهل ظنا منه أنه يفهم ما يقول..
مما سبق نفهم أننا فى مجال العلم الشرعى لا يوجد لدينا سوى صنفين من العلماء : " مجتهدون"  وهم أصحاب المذاهب.. و"مقلدون" وهم من يجتهدون فى إطار مذهب شيخهم. ولا يوجد من يخرج عن هذه القاعدة أبدا.. فلا يجوز لشيخ أن يقول أنه بلا مذهب.. أو أنه لا يقلد أحدا.. إلا فى حالة واحدة وهى أن يكون له مذهبا منفردا.. ولا يكون ذلك إلا بأن يكون له منهجا جديدا.. وهو غير المتحقق فى حالة الشيخ ابن باز.
أما فى حالة الشيخ عبد المقصود فإنه يهدد من يقلدون العلماء الذين قالوا بجواز سماع الغناء بعذاب الآخرة لأنهم تركوا قول رسول الله لقول العالم " س" أو العالم " ص ".. وهذا يناقض ما ذكرناه سابقا بجواز تقليد أى عالم معتبر دون الخوف من عذاب الآخرة طالما أن المسألة مختلف فيها وطالما أن من يقلد ذلك العالم يعتقد بصحة موقفه.. أى أنه لا ينافق ولا يختار لهوى فى نفسه.وإلا فإن الشيخ يخوفنا النار لأننا لا نقلد الشيوخ الذين يقلدهم هو..بينما لا أفضلية لعالم على آخر فى هذا الأمر..أو ربما يريد منا أن نتجاهل إجتهادات العلماء وننظر نحن بأنفسنا فى الكتاب والسنة ونختار ما نراه صوابا حتى لا نكون تاركين قول رسول الله لكائنا من كان.. وهو ما لا يقبله عقل عاقل.فالشيخ بذلك يناقض أضول الفقه المعروفة التى تقول أن المسلم  على صواب طالما كان مقلدا لشيخ معتبر.. لهذا كانوا يقولون قديما " علقها فى رقبة عالم .. وإطلع سالم " بمعنى أن من يقلد عالما فهو يسير على الحق .. حتى ولو كان هذا العالم مخطئا فى فتواه.. حيث أن له أجرا على إجتهاده.
والحقيقة أن تجاهل السلفية لهذه القواعد جعل أى من كان يظن نفسه عالما يكافىء أبا حنيفة والشافعى .. وانطلق شيوخ السلفية يتكلمون بلا مذهب محتجين فى ذلك بأن المذاهب لم تكن موجودة على زمن الصحابة.. ونسوا أن علوم الحديث والقراءات أيضا لم تكن موجودة زمن الصحابة..وأن تلك القواعد المنهجية التى وضعها العلماء جيلا بعد جيل إنما هى التى حفظت هذه الشريعة من عبث العابثين.. ونقلتها شيخا عن شيخ حتى يومنا هذا.. لهذا يقولون فى الأزهر الشريف : من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان.

الأحد، 25 ديسمبر 2011

أيهما أهم : الإنسان أم الكتاب ؟!

أصبتنى حالة من الدهشة والصدمة بعد حريق المجمع العلمى المصرى.. ليس لأنه احترق.. فهذه مأساة كبيرة بالطبع.. لكن المأساة الحقيقية حين نسمع من يقول أن الكتب القديمة أهم من روح الانسان التى كانت تزهق أمام المجمع.. ليس إنسان واحد بل كثير ( 17 قتيل حصيلة الأحداث) . ونسى هؤلاء - فى ظل صدمتهم - أن من ألف هذه الكتب فى المقام الأول هم بشر .. تماما مثل هؤلاء الذين ماتوا.
ألا يعلم المتباكين على تراث المجمع العلمى أننا لو فقدنا إحساسنا بجريمة قتل انسان فسنفقد قريبا جدا إحساسنا بأهمية أى تراث ثقافى.. أنا أفهم أن يفضل إنسان أن يضحى بحياته لحماية هذا الثراث النادر.. لكن ليس من حق أحد أن يفضل انقاذ مجموعة من الأوراق القديمة على حساب حياة الآخرين.
ثم ما أدرانا أنه ليس من بين هؤلاء الذين ماتوا - صغارا وكبارا - من سيكون فكره وأعماله من تراث البشرية. ألا يعلم هؤلاء أن جميع المشاهير الذين قدموا اسهامات عظيمة للثراث الانسانى كانوا  فى مرحلة من مراحل حياتهم أشخاصا عاديين لا تستطيع أن تميزهم عن غيرهم .. " أديسون" صاحب المخترعات كان بائع جرائد عادى.. " جان بول سارتر" الفيلسوف الفرنسى الكبير كان جنديا بسيطا فى الحرب العالمية الثانية ، عبد الناصر كان مجرد طالبا من طلاب الثانوى الذين فتحت عليهم الحكومة المصرية كوبرى عباس عام 1935. ماذا لو أننا قتلناهم قبل أن يقدموا ما قدموه للبشرية.. 
أيهما أهم : الكتاب الذى يمكن نسخه وتصويره ونشره على الانترنت أو بأى وسيلة أخرى تجعله يبقى الى الأبد ، أم الانسان الذى إذا مات لم يبق منه إلا ذكريات فى قلوب معارفه فإن ماتوا  لم يبق منه شىء.
لماذا نريد أن نحول الثقافة والعلم إلى آثار وأطلال.. هل المهم هو محتوى كتاب " وصف مصر ".. أم الورق الأصفر القديم الذى يحوى هذا المحتوى .. ألا تعلمون أن حضارة العرب لم تسقط  بعد كارثة تدمير مكتبة بغداد وظهر لنا من بعدها رجال عظام كابن حجر العسقلانى و ابن خلدون و ابن رشد ..الخ..ولكنها سقطت بعد أن مات هؤلاء وأمثالهم وانتشر الجهل رغم كل ما تحويه مكتباتنا من تراث قديم.
الانسان أهم من الكتاب يا سادة.. الانسان هو الذى يُعلِم ويتعلم.. هو الذى ينهض بالأمة ، وما الكتاب إلا وسيلة مساعدة.. فكيف نقدم الفرع على الأصل. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :  إن الله لا ينزع العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء". فهل حزن المتباكين على الدكتور محمود حافظ رئيس المجمع حين مات كما حزنوا على المجمع نفسه .

الأحد، 13 نوفمبر 2011

العلمانية وجهلنا الأزلى

إن الجدل الذى فجره الكلام عن العلمانية والدولة المدنية قد أظهر كم الجهل وعدم الفهم الذى يستشرى بيننا.. بل أظهر طبيعة عقليتنا اللامنطقية والتى هى نتاج طبيعى لمستوى التعليم المتردى فى بلادنا.. فلا أحد يفكر بعقله ولا أحد يعرف كيف يميز الكلام المتزن و المتناسق مع العقل من الكلام الرنان والأجوف فى الوقت نفسه.
فلو أننا القينا نظرة على موضوع العلمانية والدولة المدنية لوجدنا أن الغالبية من المعارضين لها باستماتة هم الإسلاميون.. بينما الغالبية من المناصرين لها باستماتة أيضا هم المسيحيون. وهو الأمر الذى يثبت لنا أنه لا هؤلاء ولاهؤلاء يفهمون العلمانية ومعنى الدولة المدنية ولا حتى يفهمون طبيعة الدين الذى يعتنقونه. فالموقف المنطقى والطبيعى هو أن يعارض المسيحيون الدولة المدنية باستماتة بينما تكون معارضة الاسلاميين لها مجرد ملاحظات شكلية ، ذلك أن الاسلام بطبعه دين علمانى النزعة، فهو يجعل مقاليد الأمور فى تطبيق الأحكام والقوانين والقرارات فى يد " ولى الأمر" الذى هو اليوم " الدولة " بكافة مؤسساتها ؛ فهو الذى يزوج ويطلق ، يحارب ويهادن ، ويورث ويقضى فى المنازعات ، ويحمى البلاد من العدوان الخارجى ويطبق أحكام الشرع ويحافظ على حقوق المواطنين كافة .. الخ. ولا ينازعه فى هذه السلطة أى مؤسسة أو جهة أخرى دينية كانت أو مدنية.
هذا فى الاسلام.. بينما الوضع مختلف فى المسيحية .. فهناك المؤسسة الدينية  ( الكنيسة ) التى تنازع الدولة السلطة . لهذا جاءات العلمانية بدولتها المدنية فى الغرب كى تحجم الكنيسة وتجعل  السلطة كلها فى يد الدولة المدنية وأن يصبح رجال الإكليروس ( الكنسيين) مثلهم مثل غيرهم أمام القانون. لهذا فبابا روما مثلا لا سلطة له اليوم على أحد بعد أن كان هو الآمر الناهى فى أوروبا طوال حقبة القرون الوسطى.
السؤال الآن : هل يريد المسيحيون ذلك ؟
هل يدركون أن الدولة المدنية ستلغى سلطات البابا.. وأنه لن يكون هناك زواجا كنسيا وآخر مدنيا ، وأن الكنيسة سيقتصر عملها على الإجراءات الروحية فقط . وسيصبح ما تعترف به الدولة هو الصحيح  بغض النظر عن موقف الكنيسة منه. وهو ما سيجعل أى نزاع بين الدولة والكنيسة محسوما لصالح الدولة من قبل أن يبدأ .
فهل المسيحى المؤمن بالكنيسة على استعداد أن يطيع الدولة لو اختلفت مع الكنيسة؟

أما بالنسبة للإسلاميين.. فهل يعلمون أن مهمة العلمانية تتلخص فى منح السلطة المطلقة للدولة كى تسير شؤون الناس.. وأن هذه السلطة مستمدة من الشعب.. الذى ينعكس سلوكه ومعتقداته على الدولة نفسها.. أى أن الشعب المؤمن سينتج قوانين تتماشى وعقيدته ( أو بمعنى أدق عقيدة الأغلبية )  وبالتالى سنصبح أمام دولة تحترم أحكام الشرع.. وأذا كان الشعب كافر فسينتج بالمثل قوانين لا تكترث بالدين وسنصبح أمام دولة لا تضع الشريعة ضمن إهتماماتها .. أى  كما قال الفيلسوف الانجليزى " هنرى جونز" : ( المواطن هو الدولة ولكن فى صورة أصغر ، والدولة هى المواطن ولكن فى صورة أكبر .. ولا يوجد دولة جيدة إلا فى وجود مواطنين جيدين ولا مواطنين جيدين الا مع وجود دولة جيدة) . وفى كلا الحالتين - حالة الدولة المؤمنة أو حالة الدولة غير المؤمنة - تعتبر الدولة علمانية ، أى أنها دولة تعبر عن شعبها إن كان خيرا فخيرا وإن كان شرا فشرا.. ولا تنتظروا من العلمانية أن تساعدكم أن تصبحوا مؤمنين لو أنكم لا تريدون ذلك ، كما لا تعتقدوا أنها ستمنعكم أن تكونوا مؤمنين لو أردتم ذلك.. هى تترك الأمر للناس كما فعل ربنا من قبل إذ قال فى كتابه الكريم بنص عام غير مشروط بزمان أو مكان :
 ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ).
 هذا هو الواقع .. العلمانية والدولة المدنية أقرب للاسلام وأحكامه منها الى المسيحية.. فهل . يفهم أحد ذلك.. أم أننا نردد كالبغبغاوات ما يقوله لنا الإعلام دون دراسة ولا قراءاة ولا فهم .

السبت، 30 يوليو 2011

العلمانية والإسلام

يعتقد البعض - بل الكثيرون فى الحقيقة - أن العلمانية هى الخطر الأكبر الذى يتهدد الإسلام.. وهى الفكرة التى تنتشر انتشارا واسعا فى مجتمعنا ، وقد ظهر ذلك بوضوح بعد الثورة حيث أصبح التعبير عن الرأى غير محظور ولا محرم. ولو أنك أجريت استفتاء على هيئة سؤال واحد :  من هو العدو الأكبر للإسلام ؟ فستكون الإجابة بنسبة كبيرة هى العلمانية  . والسؤال الآن : هل حقا العلمانية عدو الإسلام؟ 
الحقيقة أنه لا يوجد دين هو أقرب للفكر العلمانى من الإسلام.. بل إن بعض المفكرين الكبار يرون الإسلام كدين علمانى بكل معنى الكلمة مثل الأستاذ عباس محمود العقاد والدكتور محمد عمارة ( قبل اسلمته). والسبب فى وجود  هذا الرأى يعود إلى أن المحاور الثلاثة المشكلة للفكر العلمانى موجودة أصلا فى الإسلام ؛ فمن يعرفون العلمانية تدور تعريفاتهم حول ثلاثة محاور :
  1. فصل الدين عن الدولة
  2. إعلاء السلطة الزمنية ( الدنيوية) على السلطة الدينية
  3. عدم تفسير الظواهر الطبيعية تفسيرات دينية
ولو أننا تمعنا النظر لأدركنا أن كل تلك المبادىء موجودة بالإسلام.. فالدين مفصول عن الدولة، بمعنى أن الحاكم فى الدولة المسلمة لا يحكم باسم الله كما كان الحال فى أوروبا المسيحية ، وقد ظهرت هذه الفكرة مع تنصيب الخليفة الأول للرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق.. فالرجل لم يحصل على البيعة بالتوافق بل اختارته الأغلبية فقط ( كان هناك أقلية رافضة منهم سيدنا سعد بن عبادة زعيم الأنصار الذى ترك سقيفة بنى ساعدة غاضبا دون مبايعة ).. وقد أصل هذه الفكرة أبو بكر نفسه حينما أراد أحد المسلمين أن يناديه بقوله " خليفة الله" فقال : لا إنما أنا خليفة رسول الله. أى أنه يرفع عن نفسه صفة القداسة والعلو عن باقى المسلمين. كما أنه أصل لفكرة مراقبة الحاكم أيضا  من قبل الشعب لا من قبل الله للتأكيد على أرادة الشعب وأنه صاحب السيادة " إن أحسنت فأعينونى .. وإن أسأت فقومونى .. فقال له رجل ملوحا بسيفه : لقومناك بسيوفنا " وفى هذا تعبير عن مبدأ الثورة على الحاكم الطاغية أذا ظلم واستبد . فاذا كان الحاكم مختارا من الشعب.. ويراقبه الشعب.. ويعزله الشعب اذا ما طغى.. فهذا ما نسميه الحكم المدنى وهو عكس الحكم الدينى وهو فى الوقت نفسه التطبيق السياسى للفكر العلمانى.
أما مبدأ إعلاء السلطة الزمنية على السلطة الدينية فهو ما تم تطبيقه طوال عصور الحكم الإسلامى.. فولى الأمر له دائما الأختصاص الأعلى ولا سلطة لعلماء الدين على الحاكم ولا يملكون له إلا النصيحة وأن يشوروا عليه أن طلب مشورتهم . والسبب فى ذلك يرجع الى أن الإسلام لم يعرف فكرة سيطرة الكنيسة على الحاكم .. فحين يقول الملك للناس أن الله هو الذى إختاره وهو الذى يحاسبه وهو الذى يخلعه فيصبح مصير الحاكم وشرعيته مرتبطا ومعلقا بيد الله والتى كان المعبر عنها على الأرض الكنيسة.. لهذا تصبح سلطة الكنيسة ( الممثلة لله) هى الأعلى فى الدولة . ولأن الحاكم فى الإسلام - على عكس ذلك - ينتخب من الشعب ويراقب من الشعب ويخلع من الشعب فلا سلطة دينية عليه ولهذا فهو السلطة الأعلى فى الدولة.. وقد شهد الحكم الإسلامى العديد من المواقف التى تدل على اتساع صلاحيات الحاكم فى الدولة المسلمة ، حتى أن ولى الأمر له أن يعطل بعض الأحكام الشرعية لو وجد أنها ستؤدى الى عكس ما أراد المشرع منها مثلما فعل عمربتعطيله لحد السرقة فى عام الرمادة ( لأنه كان سيقطع أيدى الجياع لا اللصوص ) أو تضمين الأمام على بن أبى طالب فى خلافته للصناع(*)  وكان الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الثلاثة لا يضمنونهم  وعندما سألوه فى ذلك قال قولته الشهيرة : لا يصلح الناس إلا هذا . فإعلاء السلطة الزمنية على السلطة الدينية لا يعنى نبذ الدين أو اهماله وإنما عدم وجود تفسيرات بشرية بعينها  للنصوص الشرعية ملزمة لولى الأمر وعدم وجود سلطة أعلى لأحد من الناس على الحاكم .وإنما الأصح أن كل علماء الدين هثلهم مثل باقى المسلمين يسمعون ويطيعون لولى الأمر ولا ينازعونه فى الحكم إلا لو ظلم وبدل ويكونون فى ذلك مثلهم مثل باقى العامة من المسلمين. بقول آخر : إن النموذج الأيرانى لوصاية رجل الدين على الحاكم المسلم لا علاقة له بالإسلام.
أما المبدأ الأخير للعلمانية وهو عدم تفسير الظواهر الطبيعية تفسيرات دينية فيعنى الإلتزام بوضع تفسيرات تتوافق والقوانين التى وضعها الله للعالم.. فلا نقيس على الشاذ أو الاستثنائى.. فلا يقبل أن يفسر طبيب شرعى مثلا موت إنسان بقوله " إن قضاء الله نفذ".. أو " أن أجله جاء" وإنما يجب أن يشرح بشكل علمى أسباب الوفاة بقوله مثلا " هبوط حاد فى الدورة الدموية تسبب فى توقف عضلة القلب". والسبب فى اتباع هذا الفكر أن الله لا ينتمى إلى عالم الطبيعة.. فعالم الطبيعة هو عالم الملموس والمحسوس والقابل للإختبار فى المعمل أو غيره .. أما الله فهو فوق كل ذلك .. فحين يقبل العلماء بالقاعدة العلمية الشهيرة " المادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم " فهم لا ينكرون النشأة الأولى.. وإنما يقرون بقاعدة بسيطة مفادها أن الإنسان لا يقدر على خلق المادة من العدم .. ففعل الخلق فعل إلهى خارج عن قوانين هذا العالم التى هى قوانين الطبيعة.. ونحن ندرس العالم لا ندرس الله عز وجل .. ولأن هذا الفكر من صميم الإسلام فقد فهمه المسلمون الأوائل وصاروا عليه بلا مشكلة وانتجوا للبشرية أعظم الانتاج الفكرى والعلمى دون حرج أو خوف ، كما أن هذا الفكر قد منع ظهور التفسيرات الغيبية واالخزعبلات والدجل المنتشرة بيننا اليوم تحت مسميات إسلامية كالعلاج بالقرآن ،  أو عمل الأحجبة و جلسات الذكر ..الخ.
هذه هى علمانية الإسلام.. فاذا كان الأمر على ذلك من توافق بين العلمانية والإسلام.. فلماذا هذا الصدام بين الأثنين؟
الحقيقة أن السبب فى ذلك يعود إلى أن نموذج العلمانية الأوروبى لا يتناسب مع الإسلام .. وأى محاولة لتطبيق هذا النموذج على أى دولة يشكل المسلمون فيها الأغلبية سيؤدى الى انتهاكات للحقوق الفردية والتى وضعت العلمانية من الأساس كى تحافظ عليها.. ولعل مقارنة بسيطة بين علمانية فرنسا وألمانيا من جانب وعلمانية تركيا المتطرفة من جانب آخر تظهر كيف تتطرف العلمانية الأوروبية  عندما نحاول تطبيقها بالقوة على الاسلام.. والحل أن نأخذ العلمانية من داخل الإسلام.. ونصنع نموذجنا الخاص.. هذا النموذج الذى كنا نطبقه قديما زمن الازدهار الاسلامى .. والذى تخلفنا حين ركنا الى التقليد والجمود والتشدد والتحريم المفرط والأخذ بسد الذرائع واختيار الأحوط حتى تفتت حضارتنا وتدهورنا إلى الحد الذى أصبحنا فيه  نحرم  لبس البرنيطة و التوضوء من ما الصنبور.
--------------------------------------------------
(*) تضمين التجار أى أن يكون التاجر أو الصانع مسؤول عن البضاعة التى تحت يده فإذا ما تلفت يجب أن يسدد ثمنها لصاحبها ، فمثلا لو أنك أعطيت قطعة من القماش للخياط وطلبت منه أن يخيطها جلبابا فأفسدها أو أتلفها فعليه أن يسدد ثمنها لك.

الأربعاء، 22 يونيو 2011

اقتراح للاستفتاء القادم

إن أحد الأسباب الرئيسية لأزمة الدستورأولا أم الإنتخابات أولا هى مسألة جمع عدد من المواد الدستورية فى استفتاء واحد بشكل يجعل للمواطن أختيارين لا ثالث لهما : إما أن يقول نعم ويوافق على تعديلات لا يراها كلها سليمة ، أويقول لا ويرفض تعديلات أخرى مفيدة ومطلوبة من وجهة نظره.لهذا يحاول البعض الآن تجاهل نتيجة الاستفتاء السابق والدعوة لوضع الدستورأولا.
لهذا أقترح أن نتلافى ذلك فى الاستفتاء المتوقع على الدستورالجديد بأن تضع اللجنة الانتخابية المسؤولة تحت خانتى (نعم / لا)  عبارة " المواد المرفوضة" وتترك مساحةخالية أسفلها يكتب فيها المواطن المواد التى تسببت فى رفضه للدستور ..على أن يتم الإلتفات لهذه المواد فقط فى حالة تصويت المواطن بلا على الدستور. فاذا ما جاءت نتيجة الاستفتاء بموافقة الأغلبية على الدستور فلا بأس ، أما لوجاءت برفض الدستور فيتم جمع الاوراق التى صوت فيها المواطنون بلا ويتم حصرالمواد الدستورية محل الرفض وتعديلها بدلا من تعديل الدستور كاملا ..أوالإعتماد فى ذلك على أقوال الصحف والمحللين فقط.