السبت، 20 فبراير 2010

سلوى حجازى..مذيعة من الزمن الجميل

اليوم 21 فبراير تحل علينا الذكرى 37 لوفاة المذيعة والشاعرة المصرية سلوى حجازى. وأنا أكتب الأن عنها تملؤنى مشاعر متداخلة من الفرحة والحزن والأعجاب .. فأنا لم أكن من متابعى برامجها ، فقد رحلت عن دنيانا قبل أن اولد انا ..الا أننى رأيت لها بعض اجزاء من تلك البرامج واصبحت من معجبيها.. فسلوى -رحمها الله - كانت قادرة على شد انتباه المتابعين لها من أول جملة تنطقها فاسلوبها الهادئ ، ولغتها الفصيحة ، ونبرتها الشاعرية تجعلك تشعر وكأن كل كلامها شعرا..وكل حواراتها قصائد.

"ولدت سلوى حجازي في مدينة القاهرة في 1 يناير 1933، وتخرجت من مدرسة الليسيه فرانسيه الفرنسية. وكانت من أوائل الخريجين في المعهد العالي للنقد الفني. كما صدر لها ديوان شعر بالفرنسية ترجم إلى العربية هو "ضوء وظلال" (بالفرنسية: Ombres et clarté) وكان الشاعر كامل الشناوي من كتب مقدمته. قدمت عددا من البرامج الشهيرة آنذاك منها "شريط تسجيل"، "العالم يغني"، "المجلة الفنية" و"عصافير الجنة" (برنامج للأطفال حاز شهرة واسعة)."(*)

وقد حصلت سلوى حجازى على جوائز عديدة رغم صغر سنها ، ولعل ابرزها تلك التى حصلت عليه فى الشعر عام 64 و65 من فرنسا..كما حصلت على وسام العمل من الدرجة الثانية من الرئيس الراحل محمد أنور السادات وذلك عقب وفاتها فى حادث الطائرة الليبية الشهير فى 21 فبراير عام 1973.

ولعل مقارنة صغيرة بين سلوى حجازى ومذيعات اليوم تعطينا فكرة جيدة عن عظمة هذة المذيعة ومدى ثقافتها فى مقابل ضحالة ثقافة نظيراتها اليوم وركاكة لغتهن وتكلفهن فى الاهتمام بمظهرهن أملا منهم فى أن يخفى جوانب القصور العديدة فى ادائهن الاعلامى.
رحم الله سلوى حجازى..تلك الذكرى الجميلة من زمن  - كلما نظرنا الى واقعنا - تحصرنا عليه.
----------------------------------------

(*) نقلا عن موسوعة ويكيبيديا 

الاثنين، 15 فبراير 2010

المواطنة فى مصر

يقول الفيلسوف اليونانى القديم " أرسطو " : ( أن تكون مواطنا.. أى أن تتحلى بصفتى الطاعة والامرة) أى أن تحكم (بفتح التاء) وأن تحكم (بضم التاء) فى نفس الوقت. لكن ما يحدث فى مصر هو نصف ما سبق ؛ فالمواطن هنا يحكم (بضم الياء) فقط ، فأنت تلتزم بواجباتك ومسؤولياتك كمواطن:  فتدفع الضرائب والتى تمثل المورد المالى الأول لمصر ( وذلك عكس ما يعتقد البعض من ان قناة السويس مثلا أو السياحة هما المصدر الأول ) كما أنك تؤدى الخدمة العسكرية..و تلتزم بالقانون فى معاملاتك وخصوماتك مع باقى المواطنين ..الخ. لكنك لا تشارك فى انتخابات نزيهة..وبتالى لا يصبح لصوتك قيمة كمواطن ولا تحكم.. كما أنك لا تعمل معاملة المواطن لا من رجال الشرطة ولا حتى من موظفى الحكومة..بل أن الأجنبى القادم من خارج الحدود له من الحقوق أكثر مما لك.
لهذا لا اتعجب حينما اقابل العديد من المتعلمين وخريجى الجامعات ممن لم يسمعوا عن شىء اسمه المواطنة..ولا يعرفون كنهها أو جدواها  ، ولا الومهم فنحن لا نهتم فى مناهجنا الدراسية باعداد ابنائنا ليكونوا مواطنى الغد :فلا ندرس الدستور فى مدارسنا كما تفعل الدول الديمقراطية ، ولا نسهل للراغبين فى ممارسة العمل السياسى أن يمارسوه اثناء فترة دراستهم الجامعية، أما حكومتنا الغراء فهى تستخدم المواطنة للدعاية للحزب الحاكم مع كل انتخابات ..بل أن الحزب الحاكم نفسه قد استخدمها مرة كشعار لأحد مؤتمراته التى تقام سنويا.أما على المستوى الشعبى أو الجماهيرى فكلمة المواطنة اما يحتفى بها لأسباب دينية ، أو يشن عليها هجوما ضاريا لنفس الاسباب ؛ فالمسيحيون والبهائيون يطالبون بتفعيل حقوق المواطنة وذلك بغرض الحصول على بعض الحقوق التى يشعرون أنهم محرومون منها فى بلدهم وأول هذه الحقوق ما يتعلق منها بالمسائل الدينية..أما المواطنة فى نظر المسلمين فهى  فى الأغلب منبوذة كما كانت الديمقراطية من قبل ..والسبب كونها قادمة من الغرب ، والمثل الشعبى يقول ( ما ياتى من الغرب ..لا يسر القلب) ، كما أن البعض يعتقد أن المواطنة كمبدأ انما يتعارض مع مفهوم الأمة الاسلامى ، لهذا أصبح نقد مفهوم المواطنة من قبل التيارات الدينية الاسلامية المختلفة أمرا اعتياديا، وقد حدث أن رأيت  أنا شخصيا  خطيبا  بأحد الزوايا التابعة للأخوان المسلمين  يتكلم عن المواطنة وحاول أن يعرفها لجموع المصلين يوم الجمعة..فقال : ( هل تعرفون ما المواطنة؟... أنها تعنى أن يختلط المسلم بغير المسلم ..حتى لا نعرف المسلم من غير المسلم ) واجتهد الخطيب فى تركيب عدد من النغمات الصوتية الموحية بالسوء وهو يقول هذا التعريف حتى يصل للمصلى البسيط أن المواطنة ما هى الا رجس من عمل الشيطان . وقد تذكرت لحظتها كيف استطاع مرشح لانتخابات البرلمان قبل الثورة أن يفوز على استاذ الجيل" أحمد بيه لطفى السيد " بأن اوهم الناخبين فى الدائرة ان كلمة الديمقراطية التى يرددها لطفى السيد ما هى الا الكفر والعياذ بالله..وأقول ما أشبه اليوم بالبارحة.
والحقيقة أن الأمل فى ان يصبح للمواطنة الحقة وجود فى مصر ضعيف جدا اذا ما بقى الحال على ما هو عليه..فالمنظومة السياسية فى مصر عليلة تحتاج الى علاج طويل ، فلا يمكن أن نتكلم عن حقوق المواطنة السياسية والاجتماعية والمدنية  فى ظل تعددية سياسية اسمية ، ونظام انتخابى غير نزيه ، ومجموعة من الأحزاب فقدت الأمل والهدف الوحيد الذى انشأت من أجله وهو الوصول الى سدة الحكم ، وشعبية مزيفة لحزب واحد يدخله الكثيرون بحثا عن مصالحهم الشخصية فقط..وسيتركوه قطعا اذا افترضنا أنه فقد السلطة فى يوم ما.
ان الحل يبدأ بتهيئة الظروف الصحية دستوريا وقانونيا للتغيير والتطوير ، على أن تكون النية للأصلاح متوفرة حتى لا نجد أنفسنا نفصل قوانين وبنود دستورية لأشخاص بعينهم ونبحث عن الشكل الديمقراطى أكثر من المضمون. وعندما ننجح فى صنع ذلك ستكون المواطنة هى النتيجة الطبيعية لهذه المنظومة الجديدة، بل أن المواطنة هى التى ستعطيها معناها.. يقول مارك توين : ان المواطنة هى التى تصنع  النظام الجمهوري ، أما النظم الملكية  فهى ليست فى حاجة اليها.

الثلاثاء، 2 فبراير 2010

الفيلم ده قصة ولا مناظر

حمى أفلام المناظر تجتاح الموسم السينمائى الشتوى فى مصر هذا العام..بدأت تلك الحمى بفيلم محمد أمام " البيه رومانسى " والذى قدمت فيه المطربة اللبنانية دومينيك حورانى تشكيلة متنوعة من الرقصات والحركات الجنسية والمشاهد السريرية..ثم كان الفيلم الثانى فى نفس السلسلة وهو فيلم "بالألوان الطبيعية" والذى امتلأ هو الأخر بالقبلات ومناظر الفتيات العاريات ممن يسترن القليل ويكشفن الكثير من أجسادهن..وما كدنا نلتقط انفاسنا حتى كبس علينا خالد يوسف بفيلمه الكوميدى "كلمنى شكرا" والذى اجتهدت فيه غادة عبد الرازق بالرقص وملابس النوم بالاضافة للكلام الخارج من نوعية "أنا قلبى ف النص التحتانى ..وحسبى عليه أحسن وقف"..وقد تعمد صناع الفيلم وضع هذه المناظر والكلمات الخادشة فى اعلان الفيلم الذى يدخل كل بيت..ثم جاء الفيلم الساخن جدا فى شكله ومضمونه "أحاسيس" والذى امتلأ بالفنانات المشهورات بعدم ممانعتهن عن اداء المشاهد السريرية والساخنة مثل "دنيا" و"ماريا" و"علا غانم" بالاضافة الى "مروة اللبنانية"  والتى اجتهدت فى أن تظهر الجزء الأكبر من صدرها الاصتناعى فى الفيلم.والفيلم هو التجربة الثانية لمخرجه هانى جرجس فوزى بعد ان نجح فيلمه الأول من نفس النوعية "بدون رقابة" .ثم جاء فيلم المخرج داود عبد السيد "رسايل بحر" ليكمل السلسلة من أفلام المناظر حيث ظهرت فيه بسمة وهى تبوس وتتأوه من النشوة كما خلعت ملابسها بغرض السباحة..وهو ما يجعلنا نضيف هذا الفيلم لقائمة أفلام المناظر.
الغريب أن هذه النوعية من الافلام قد أختفت من فترة ولم يكن لها أى ظهور حقيقى اللهم الا فيلم هنا و هناك كل بضعة سنوات حتى خرج علينا المخرج  خالد الحجر بفيلمه "قبلات مسروقة" والذى انتقد مؤلفه نفسه المخرج لأنه أفرط فى مشاهد القبلات بشكل حول الفيلم الى مادة لا تصلح لاستخدام المشاهد الشرقى..غير أن ما يحدث الأن من اصرار صناع الافلام على حشر مشاهد ساخنة فى الفيلم يترك علامة استفهام كبيرة خاصة وأن كمية الأفلام التى ظهرت تباعا فى فترة قصيرة (شهرى ديسمبر ويناير) فى هذا الموسم الشتوى لم تحدث من قبل فى تاريخ السينما المصرية ولا حتى زمن افلام المقاولات، بل ان اسر ياسين واحمد عزمى وهما فى مقتبل حياتهما الفنية قد قاما بتنفيذ كمية من القبلات أكثر مما قام به عماد حمدى وكمال الشناوى فى تاريخهما السينمائى كله ..
وأنا اكتب لكم هذا المقال أرى اعلانات فيلم "عايشين اللحظة" تذاع وهى مليئة أيضا بالالفاظ الخارجة والمحرجة والمشاهد الساخنة..والبقية تأتى.


السبت، 2 يناير 2010

الوهابية ..الفقه الصحراوى


فى مقال سابق عن الوهابية بعنوان "كن مسلما ولا تكن وهابيا" قلت فى خاتمته : "الخلاصة أنا اقولها صراحة أنا مسلم ولكننى لست وهابيا ..فليس من المعقول أن اعيش فى القرن الواحد والعشرين وأتبع فقها بدويا لايصلح الا لساكنى الخيام وراعاة الأبل والاغنام."..فاعتقد بعض الأخوة أننى انما اريد أن احط من شأن البدو أو رعاة الغنم وهو ما لم اقصده بالمرة ..وانما قصدت أن ابين حقيقة يعلمها اهل العلم عن طبيعة المذاهب الفقهية ، وهى انها تتأثر وتتغير بناء على عدد من العوامل المحيطة والتى يكون لها اليد العليا فى طبيعة الفقة الناتج امامنا.
وسأحاول هنا أن ابين بعض تلك العوامل كى يتأتى لنا أن نفهم لماذا لا يصلح الفقه الوهابى للدول والبيئات التى تتمتع بقدر من التحضر والمدنية..ولماذا نصف هذا الفقه بأنه بدوى ..أو صحراوى


  1. شخصية الفقيه: فلو كان كل الفقهاء مثل بعضهم البعض فى ثقافتهم و درجة علمهم وطريقة تفكيرهم والمناهج التى يتبعونها لكن لدينا فى النهاية فقها واحدا..فالتغير البسيط فى واحدة من تلك النقاط التى تشكل شخصية الفقيه تجعل فقهه ينحى منحا معين ؛فأبو حنيفة النعمان مثلا كان فى منهجه لا يقبل الحديث الضعيف فى بعض المسائل ويفضل أن يجتهد برأيه بينما يرى الأمام أحمد بن حنبل أن تقديم الحديث الضعيف على الأجتهاد أصح وأولى..وهو ما ولد فى النهاية اختلافات فقهية.






  2. أختلاف المكان والزمان: فما يقدمه الفقيه من رأى هو فى الحقيقة مرتبطا بشكل كبير بالمكان الذى أعطى فيه هذا الرأى..فالأمام الشافعى مثلا غير من فقهه حين ترك العراق وجاء الى مصر..كذلك فقد أثر المكان على الأمام مالك بن انس  كونه ساكنا بالمدينة قد جعله ذلك يضيف ما اجتمعت عليه اغلبية أهل المدينة من أفعال كدليل وحجة يحتج بها على صحة بعض المسائل وذلك لقرب عهده بالرسول صلى الله عليه وسلم..ولم يفعل غيره ذلك من الفقهاء خارج المدينة.. كذلك فأن التغير الزمان له نفس الأثر على تغير الفقه فما يراه الفقيه اليوم قد يرى غيره غدا ..فكيف اذا ما باعدت الفترة الزمنية ( قرون مثلا) بين فقيه وفقيه من نفس المذهب، فقطعا سيغير هذا من الفقه المنتج من كل منهما ..والسبب فى ذلك انما يرجع الى اختلاف المسائل الواردة على الفقيه وتنوعها باختلاف درجات تقدم وتطور هذا المجتمع ..فالمجتمعات الأكثر تطورا وحداثة تنتج - بالأضافة الى بعض المسائل الفقهية القديمة - مسائل جديدة تحتاج الى رأى فقهى جديد.






  3. أختلاف طبيعة المجتمع: فما هو مهين فى مجتمع ما قد يكون عاديا فى مجتمع أخر..وما هو معتاد فى مجتمع قد يكون جريمة رهيبة فى مجتمع أخر ..لهذا لابد وأن يكون الفقيه من اهل القطر الذى يفتى فيه أو على الأقل يكون قد عاش بين أهل هذا القطر عدد من السنين بما يضمن له أن يحكم على الأمور بحكم المجرب العارف الخبير وليس حكم من سمع السؤال فأجاب على العموم بما ورد اليه.





لهذا فنحن نصف الفقه  الوهابى بالصحراوى والبدوى لأنه نشأ وتكون  ببادية  نجد بالحجاز ..واعتمد على شيوخ ترجع أصولهم الى نفس المنطقة ..وما زاد عليهم من مسائل أخذوه من الكتب كما هو:  فنجدهم يحرمون التصوير الفوتغرافى أول ظهوره..ويحرمون الشطرنج نقلا عن الكتب التى قرأوها..ويصرون على النقاب ( الذى كان ضرورة أجتماعية فى المجتمع القبلى والذى ظهر الأسلام داخله أول الامر )  ويمنعون المرأة من قيادة السيارة . كما يظهر ضعفهم الفقهى امام المسائل التى لم يعتادوها لبعد تلك المنطقة - وقت تطور هذا الفقه - عن مظاهر التمدن والحضارة ( لا تليفونات -لا قطارات أو طائرات - لا وسائل مواصلات سوى الحيوانات ) وبالتالى كانوا يحرمون ما لا يجدون له مبررا فقهيا مقبولا عندهم ويعتمدون فى ذلك على قاعدة " الأخذ بالأحوط" حتى جعلوا  الدين  -كما قال الدكتور يوسف القرضاوى - مجموعة من الاحوطات وأخذوا يطبقون حديث " اترك ما يريبك الى ما لا يريبك " على معظم المسائل التى لا يجدون لا حلا..مما أرهق الناس ممن يعيشون فى مدن متحضرة اذا ما تبعوا مثل هذا الفقه الصحراوى .
لهذا فالقول الذى كنت أعنيه بأنى لن اتبع فقها لا يصلح الا لرعاة الغنم والبدو انما كنت اعنى به أن من لا يملكون سوى خبرة الصحراء لا ينبغى أن يفتون لمن يعيشون فى مجتمعات تتعقد فيها العلاقات والتفاعلات والأنشطة الاجتماعية بشكل يتخطى حيز الصحراء واعرافها وتقاليدها. وأننا لو التزمنا بتلك الرؤية فلن نجد من يخرج علينا مرددا فتاوى تحريم " مصافحة الرجال للنساء" وفتاوى تحريم قيادة المرأة للسيارة أو تحريم التصوير و الشطرنج ..او القول بفرضية النقاب.






الأحد، 20 ديسمبر 2009

أشياء فى مصر "غيظانى" : (1) من المسؤول عن تدمير شارع "النبى دانيال"



"شارع الكتب"..هكذا كنا نطلق عليه.
كل مريدى القراءة ومحبيها فى الاسكندرية كانوا يزورونه، وينهلون من على أرصفته الثقافة والفكر بأرخص الأسعار..اذكر أنى كنت اذهب ولا يوجد فى جيبى الا الجنيه والجنيهان، واعود وانا احمل ما اشتريته من كتب نفيسة.
ترى البائع وقد رص الكتب على أرض الرصيف وقد حملت كل مجموعة منها بطاقة سعر: " أى كتاب بجنيه" ، "أى كتاب ب 2 جنيه"..وهكذا، والناس من كل الأعمار تنحنى تتفحص العناوين القديمة لعلها تجد ضالتها فى أحدها.
قرأت نجيب محفوظ..ويوسف ادريس ..ومحمد عبده..والدكتورة بنت الشاطئ..ومحمد مستجاب..واخرين. كلهم امامك على الرصيف. ما عليك الا أن تمد يدك تلتقط الكتاب وتدفع ما يساوى الأن ثمن سندوتش من الفول.
كذلك فقد كان يرتاد هذا الشارع العظيم من لم يستطع دفع ثمن الكتاب الجامعى الباهظ فيبحث هناك عن نسخ أو طبعات قديمة لنفس الكتاب وغالبا ما يرجع بيته مجبور الخاطر.كما ان الباعة هناك يقدمون لك الكتب والروايات الاجنبية أيضا فسترى روايات أجاثا كريستى..وتشالز ديكنز..وتشكسبير..وشارلوت وامليا برونتى..واوسكار ويلد..الخ جنبا الى جنب على الرصيف..كل هذا بقروش قليلة.
اليوم..حين تزور شارع النبى دانيال المتفرع من ميدان محطة مصر يالاسكندرية ..لا ترى سوى أطلال ..وبقايا تخبرك انه كان هنا فى يوم ما سوقا رائجة للكتب..فلم يعد الأن فى الشارع سوى باعة الملابس وأطباق استقبال الاقمار الصناعية والريسيفرات..وذلك بعد أن شن السيد المحافظ هجمة شرسة وعمياء على كل باعة الرصيف..غير مفرق بين من يبيعون العلم والثقافة للناس ومن يبيعون "الكابات" و"التى شيرتات" والسبح والبخور. ولا أعلم من المستفيد من هذا ..قطعا ليسوا شباب هذا البلد..فكل دول العالم تترك باعة الكتب يفترشون الأرصفة..بل أنه كلما ازداد عدد باعة الكتب ازدادت قيمة القراءة وقيمة البلد الذى يشجع عليها ..اتذكر منذ سنوات حين قامت المذيعة الراحلة واللامعة "سامية الأتربى" بعمل تحقيق مصور عن شارع النبى دانيال فى برنامجها الشهير "حكاوى القهاوى"..واليوم نحن فى حاجة لمن يحقق فى ماحدث وينقذ ما بقى من شارع الكتب قبل أن تنتهى هذه الظاهرة الحضارية من عندنا مفسحة الطريق لباعة الملابس والموبايلات.

الخميس، 3 ديسمبر 2009

الجنيه المصرى ...والمستقبل المظلم


علمت بالصدفة على خلفية أحداث مباراة مصر والجزائر التى اقيمت فى السودان الشقيق أن الجنيه السودانى يساوى الأن أربعة جنيهات مصرية. وقد زهلت عن معرفتى بتلك المعلومة..فالجنيه السودانى من سنوات قليلة ماضية كان يضرب به المثل فى انخفاض القيمة الشرائية للعملة..حتى أننا كنا نتندر قائلين ان السودانى يشترى الجريدة بعشرة الاف جنيه ..وأنه يستأجر سيارة نصف نقل لكى يحمل عليها مرتبه الشهرى والذى سيتجاوز المليون جنيه سودانى قطعا ..فاذا بالجنيه المصرى ينخفض الى مادون الجنيه السودانى( او ربما هو الجنيه السودانى الذى ارتفع لا اعلم بالضبط ) الا ان النتيجة واحدة وهو أن الجنيه المصرى يلفظ انفاسه الأخيرة.

اتذكر تاريخه العريق ويأخذنى الحزن والأسى..فقد كان المسكين فى بدايات القرن العشرين يساوى جنيه من الذهب + قرشين صاغ..أى أن الجنيه المصرى كان أزيد من الجنيه الذهب بقرشين صاغ..وقبل الثورة بسنوات قليلة و تحديدا بعد الحرب العالمية الثانية كان الجنيه المصرى يساوى سبعة جنيهات انجليزية..وبعد الثورة انخفض عن هذا المقدار قليلا ..فقد ذكر الأستاذ "احسان عبد القدوس "أنه فى لندن عام 1955 قد غير الجنيه المصرى بخمس جنيهات استرلينية كاملة..أما اليوم فالجنيه الذهب يساوى أكثر من 800 جنيه مصرى..والجنيه الأسترلينى يساوى اكثر من عشرة جنيهات مصرية..فما الذى حدث؟!!
المشكلة أن الجنيه المصرى المسكين يعانى من أعراض نقدية غير مفهومة بالنسبة لزمرة الأشاوس من المسؤلين عن الاقتصاد فى مصر وعلى رأسهم الدكتور "يوسف بطرس غالى"..فالدولار الأمريكى انخفضت قيمته امام كل عملات الأرض عدا الجنيه المصرى الذى "حرن" وحلف بالطلاق انه لن يرتفع امام الدولار وهذا طبعا لأن الجنيه أبن اصل ..والعين لا تعلو على الحاجب..وان العملات الأخرى لم ترأف لحال الدولار والذى هو فى نظر الجنيه المصرى "عزيز قوم ذل".

لهذا نجد الجنيه المصرى تنخفض قيمته بحماس شديد بينما لا ترتفع قيمته الا بطلوع الروح ..وهو ما أثر على مستوى المعيشة فى مصر ..وبدلا من ان نطمع فى السفر للعمل بدول الخليج أصبحت السودان أقرب وفرق اربعة جنيه موش شوية..المشكلة الحقيقية هى أن السادة الخبراء بحكومتنا لا يعترفون بوجود أزمة فيما يخص الجنيه..فما ان تسألهم حتى يأتيك الجواب الشافى ..انخفاض الجنيه شىء طبيعى فى مثل هذه الظروف ( والتى تتغير كل عام لكنها أبدا لا تزول ) كما ان تلك الظروف لا تحدث الا لنا أما باقى الدول فلا أثر لتلك الظروف عليهم

ولعل الشىء المضحك فى الموضوع ..أن انخفاض القيمة الشرائية للجنيه ومشتقاته( النصف والربع والعشرة قروش..الخ) قد جعل تكلفة صك العملة أو طباعتها أكثر كلفة من ثمنها مما اضطر حكومتنا الى تخفيض حجم العملات جميعا الورقية منها والمعدنية حتى بات الجنيه فى حجم الربع جنيه ..اما الربع فقد اصبح فى حجم البريزة..والتى اصبحت فى حجم الخمسة قروش..اما هذه المسكينة فقد أصبحت رؤيتها بالعين المجردة مسألة صعبة للغاية.

أن ما أخشاه أن يواصل الجنيه المصرى (الذى كان جبس فى يوم من الايام) الانخفاض حتى يلقى مصير المأسوف على شبابه " الأفغانى الافغانستانى" والذى لاقى حدفه اثر ازمة قلبية أمام النور السرمدى للدولار الامريكى..وانا لله وانا اليه راجعون.